بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-07-28
ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول قيادتها إلى ردّات فعل، وأن يصبح القرار الوطني رهينة اتجاه الريح. فالدول تُبنى برؤية، وتُحفظ بالمؤسسات، أما حين يغيب رجال الدولة، يتحول الوطن إلى ورقة تتقاذفها العواصف، لا تعرف أين تستقر ولا متى تسقط.
في لبنان، اعتدنا أن نعيش على حافة الاحتمالات. كل أزمة تُدار بانتظار الخارج، وكل استحقاق يُعلَّق على تسوية تأتي من وراء الحدود. وكأننا فقدنا منذ زمن حقنا في تقرير مصيرنا، فأصبح الآخرون يرسمون مستقبلنا، فيما نكتفي بالمشاهدة.
المؤلم أننا لم نتفق حتى اليوم على معنى الوطن. لكل فريق لبنانه، ولكل زعيم خريطته، ولكل مصلحة حساباتها. وبين هذا وذاك يضيع المواطن، ويصبح الوطن نفسه مشروعاً مؤجلاً ينتظر توافقاً لا يأتي.
صرنا كمن يمسك بخيط رفيع يخشى أن ينقطع في أي لحظة. لا نملك خطة إن هبت العاصفة، ولا رؤية إن تبدلت الموازين. نعيش على الأمل أكثر مما نعيش على الحقائق، ونؤجل مواجهة الواقع لأننا نخشى الاعتراف بحجم الفشل.
كلما اعتقدنا أن الطائرة ستستقر، تعصف بها رياح جديدة، فتعود إلى التحليق بلا اتجاه. نكرر الأخطاء نفسها، ونختلف على التفاصيل نفسها، ثم ننتهي دائماً إلى المشهد ذاته: وطن يدفع الثمن، وشعب يجمع ما تبقى من أحلامه فوق ركام الخيبات.
لبنان لا يحتاج إلى من يتقن المناورة، بل إلى من يعرف كيف يزرع أوتاد الدولة في الأرض حتى لا تقتلعها الرياح. يحتاج إلى قيادة تجعل القرار وطنياً قبل أن يكون إقليمياً، وإلى مسؤولين يدركون أن الأوطان لا تُدار بالحظ، ولا تُترك معلقة بخيط قد ينقطع في أي لحظة.
سيبقى لبنان معرضاً لكل عاصفة ما دام أبناؤه مختلفين على البوصلة، وما دام قراره ينتظر من يحركه من الخارج. وعندما يصبح الوطن مجرد طائرة في سماء الآخرين، فإن السؤال لن يكون متى تهبط… بل أين سيكون مكان سقوطها.

