بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-09-09
لم يعد ارتفاع سعر البنزين في لبنان خبراً اقتصادياً عابراً، ولا رقماً جديداً يضاف إلى جدول الأسعار. عندما تقترب صفيحة البنزين من عتبة الثلاثين دولاراً، يصبح السؤال أكبر بكثير من سعر الوقود: إلى أين يأخذ هذا الانفجار الاقتصادي المواطن اللبناني؟ ومن يملك القدرة على تحمّل موجة جديدة من الغلاء.
رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس قالها بوضوح: “للأسف”، مشيراً إلى أن تصاعد التوتر العسكري واستهداف منشآت للطاقة في الخليج، والتطورات في الحرب الروسية – الأوكرانية، والمخاوف من تراجع إمدادات النفط عالمياً، دفعت سعر برميل النفط الخام إلى ملامسة المئة دولار، وأصبح لبنان أمام صفيحة بنزين تقترب من الثلاثين دولاراً.
لكن كلمة “للأسف” لا تختصر حجم المأساة.
فالوقود في لبنان ليس مجرد مادة تُستخدم في السيارات. البنزين والمازوت يدخلان في كلفة النقل، وتوزيع المواد الغذائية، والزراعة، والصناعة، والخدمات، والمولدات، وحركة المؤسسات والشركات. وكل ارتفاع في سعر المحروقات يتحول سريعاً إلى فاتورة جديدة يدفعها المواطن، حتى لو لم يكن يمتلك سيارة.
المشكلة أن المواطن لم يعد يملك هامشاً إضافياً ليدفع.
فالراتب الذي كان بالكاد يكفي لتأمين الأساسيات أصبح يتآكل أمام ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والطبابة والتعليم والإيجارات والكهرباء والاتصالات وسائر الخدمات. وما يزيد خطورة المشهد أن الارتفاعات لا تأتي منفردة، بل تتراكم فوق بعضها البعض، حتى أصبح المواطن يعيش في حالة دائمة من إعادة حساب مصروفه، وحذف حاجاته، وتأجيل التزاماته.
إنها ليست أزمة بنزين فقط، بل أزمة قدرة على الاستمرار.
والأخطر أن الاقتصاد اللبناني يعيش حالة من الفوضى التي تسمح بانتقال كل ارتفاع عالمي تقريباً إلى جيب المواطن بسرعة، بينما لا ينتقل انخفاض الأسعار بالسرعة نفسها عندما تتراجع الكلفة عالمياً.
وقد سبق لوزارة الاقتصاد والتجارة أن أشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين يرفع كلفة الإنتاج والاستيراد في لبنان، نظراً إلى اعتماد الاقتصاد اللبناني الكبير على الاستيراد، مؤكدة أن المازوت خصوصاً يشكل قناة أساسية لانتقال هذه الضغوط إلى مختلف القطاعات.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فمن يراقب الأسعار؟ ومن يضبط الأسواق؟ ومن يحمي المواطن من الفوضى؟
في قطاع، هناك تسعيرة. وفي قطاع آخر، تسعيرة مختلفة. وبين الدولة والقطاع الخاص، تضيع المسؤولية، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف.
المولدات الخاصة تضع فواتيرها، النقل يرفع كلفته، بعض التجار يعيدون تسعير بضائعهم، الخدمات ترتفع، والإيجارات تتحرك، فيما المواطن مطالب بأن يتكيف مع كل ذلك وكأن دخله يتحرك بالسرعة نفسها.
لكن الدخل لا يتحرك.
وهنا يتحول التضخم من مصطلح اقتصادي إلى واقع يومي يعيشه المواطن في كل تفاصيل حياته.
المواطن الذي يدفع اليوم أكثر لملء خزان سيارته، سيدفع غداً أكثر مقابل نقل البضائع. والتاجر الذي يدفع كلفة نقل أعلى سيرفع سعر السلعة. والمزارع الذي ترتفع عليه كلفة المازوت والنقل والري سيجد نفسه مضطراً لرفع سعر إنتاجه. والمؤسسة التي ترتفع عليها كلفة التشغيل ستعيد احتساب أسعار خدماتها.
وهكذا تبدأ الدائرة:
محروقات أغلى، نقل أغلى، إنتاج أغلى، سلع أغلى، خدمات أغلى… ودخل المواطن مكانه.
هذه هي المعادلة التي تدفع المجتمع تدريجياً نحو مزيد من الفقر، لا لأن المواطن لا يريد العمل، بل لأن كلفة الحياة أصبحت أسرع من قدرة الناس على اللحاق بها.
وإذا كان لبنان يتأثر بطبيعة الحال بالأحداث العالمية وأسعار النفط، فإن السؤال الأساسي يبقى: ماذا تفعل الدولة لتخفيف وقع هذه الصدمات على الناس؟
لا يكفي أن تعلن الدولة الأسعار.
ولا يكفي أن تقول للمواطن إن الأسعار العالمية ارتفعت.
المطلوب سياسة اقتصادية متكاملة، ورقابة جدية، وضبط للأسواق، ومنع لاستغلال الأزمات، وملاحقة لأي زيادات غير مبررة، بالتوازي مع حماية حقيقية للقدرة الشرائية.
وزارة الاقتصاد نفسها أكدت في وقت سابق أن حماية المستهلك ومراقبة الأسعار تتطلبان رقابة ميدانية، وأن الوزارة ترصد أسعار مئات السلع بصورة دورية.
لكن المواطن يريد أن يرى نتائج هذه الرقابة في حياته اليومية.
يريد أن يعرف لماذا ترتفع سلعة بسرعة عندما ترتفع كلفة المحروقات، ولماذا لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تنخفض الكلفة.
يريد أن يعرف من يضع الأسعار.
ومن يراقب.
ومن يحاسب.
ومن يحميه.
فلبنان لا يحتمل أن تتحول كل أزمة خارجية إلى أزمة داخلية جديدة، وكل توتر إقليمي إلى فاتورة إضافية على المواطن.
الانفجار الاقتصادي لا يحدث في يوم واحد.
إنه يبدأ بارتفاع صغير هنا، وزيادة هناك، ورسوم جديدة، وفاتورة أعلى، وكلفة نقل إضافية، ثم يجد المواطن نفسه بعد سنوات أمام واقع لم يعد فيه راتبه قادراً على تأمين أبسط مقومات الحياة.
وهذا هو الخطر الأكبر اليوم.
أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها المواطن عاجزاً عن تأمين البنزين للوصول إلى عمله، أو عاجزاً عن دفع كلفة النقل، أو عاجزاً عن شراء حاجاته الأساسية، بينما تستمر الفوضى في قطاعات عامة وخاصة وكأن البلد يملك ترف الانتظار.
ثلاثون دولاراً لصفيحة البنزين ليست مجرد ثلاثة أرقام.
إنها إنذار اقتصادي واجتماعي.
إنذار بأن قدرة اللبناني على الاحتمال ليست بلا حدود.
وأن المواطن الذي تحمل الانهيار المالي، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وأزمات الكهرباء والمياه، وتراجع القدرة الشرائية، لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الفوضى.
المطلوب اليوم ليس فقط معالجة سعر البنزين، بل معالجة الفوضى الاقتصادية التي تجعل كل ارتفاع في المحروقات زلزالاً يضرب كل بيت وقطاع ومؤسسة.
فإذا كانت الدولة عاجزة عن منع الأزمة العالمية، فهي قادرة على الأقل على منع تحويلها إلى فوضى داخلية.
وإذا كانت عاجزة عن التحكم بسعر النفط العالمي، فهي مطالبة بأن تتحكم بما تستطيع: الرقابة، المنافسة، منع الاحتكار، ضبط التسعير، حماية المستهلك، ومحاسبة كل من يستغل وجع الناس.
لأن المواطن اللبناني لم يعد يسأل: كم أصبح سعر صفيحة البنزين؟
بل أصبح يسأل سؤالاً أخطر:
كم بقي من قدرتنا على الاستمرار؟

