بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-09-04
في لبنان، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد أزمة خدمات، بل تحولت إلى واقع يفرض نفسه على المواطن يومياً حتى بات أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة يشكلون، في كثير من المناطق، ما يشبه «جمهورية مستقلة» لها تسعيرتها وقوانينها وشروطها فيما المواطن هو الحلقة الأضعف.
الفوضى في تسعير اشتراكات المولدات مستمرة، فلكل صاحب مولد تقريباً تسعيرته الخاصة، ولا يبدو أن هناك التزاماً موحداً بالتسعيرة الرسمية التي تحددها الدولة. وبين قرية وأخرى، بل أحياناً بين شارع وآخر، تختلف الأسعار بشكل لافت، لتتجاوز في بعض الحالات قدرة المواطن على الاحتمال، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
المشكلة الأساسية أن المواطن لا يملك خياراً حقيقياً. فالدولة، حتى اليوم عاجزة عن تأمين التيار الكهربائي بصورة مستقرة ما يدفع الناس إلى الاعتماد على المولدات الخاصة لتأمين أبسط مقومات الحياة. وهنا يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن يدفع السعر الذي يفرضه صاحب المولد، أو يبقى بلا كهرباء.
والأخطر أن بعض أصحاب المولدات يتعاملون مع المواطن بمنطق الأمر الواقع «إذا لم تعجبك التسعيرة، نتوقف عن تزويدك بالطاقة وهكذا تتحول الحاجة الأساسية للكهرباء إلى وسيلة ضغط، فيما يغيب التوازن بين مقدم الخدمة والمواطن الذي يدفع من دخله المنهك أساساً.
صحيح أن هناك أصحاب مولدات يلتزمون بالتسعيرة الرسمية ويراعون ظروف الناس، وهؤلاء يستحقون التقدير لكن المشكلة تكمن في أولئك الذين يفرضون أسعاراً عشوائية ويضعون المواطنين أمام أمر واقع، من دون رادع فعلي أو رقابة قادرة على وقف التجاوزات.
لقد سمع اللبنانيون كثيراً عن الرقابة والمحاسبة وتنظيم قطاع المولدات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أين هي هذه الرقابة؟ ومن يحمي المواطن عندما تصبح التسعيرة خاضعة لمزاج صاحب المولد
المطلوب ليس فقط إصدار تسعيرة رسمية بل تطبيقها فعلياً، ومراقبة الالتزام بها وفرض العقوبات على المخالفين، لأن القانون الذي لا يُطبّق يتحول إلى مجرد ورقة لا تحمي أحداً.
وفي ظل غياب الكهرباء الرسمية، لا يجوز أن يبقى المواطن رهينة لمن يملك مولداً. الكهرباء خدمة أساسية وليست امتيازاً والمواطن ليس زبوناً بلا حقوق.
لقد حان الوقت لوضع حد لهذه الفوضى ومحاسبة كل من يستغل حاجة الناس إلى الكهرباء لفرض أسعار غير منطقية أو ممارسة الضغط عليهم. فالدولة مطالبة بأن تستعيد دورها والمواطن مطالب بحقه، وأصحاب المولدات مطالبون بالالتزام بالقانون والتسعيرة الرسمية.
فلا يجوز أن تبقى المولدات الخاصة جمهورية مستقلة فوق قدرة المواطن، ولا يجوز أن تتحول أزمة الكهرباء إلى باب إضافي لاستنزاف ما تبقى من قدرة اللبنانيين على الصمود.

