بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-08-26
هناك مسارات كثيرة تقود الأوطان إلى الانهيار، لكن أخطرها أن يصبح الخلل قاعدة، وأن تتحول المحسوبية من استثناء إلى نظام، ومن ممارسة مرفوضة إلى أسلوب إدارة.
في لبنان، لا يبدو أن المشكلة في غياب القوانين فقط، بل في طريقة تطبيقها. قانون يُطبّق على مواطن، ويُغضّ النظر عنه لمصلحة آخر. شفافية تُرفع شعاراً في الخطابات، بينما تتراجع أمام المحسوبيات عندما يحين وقت التوظيف أو التعيين أو توزيع المنافع.
المحسوبية في التوظيف ليست جديدة، والمحسوبية في التعيينات ليست جديدة، والمحسوبية في إقرار القوانين بحسب المصالح السياسية ليست جديدة أيضاً. حتى قانون السير، الذي يفترض أن يكون واحداً على الجميع، قد يتحول أحياناً إلى اختبار لمن يملك واسطة ومن لا يملكها.
والأخطر أن المحسوبية وصلت إلى جيوب الناس. الضرائب ترتفع، والأعباء تتضاعف، بينما يدفع المواطن الذي لا يملك سنداً سياسياً الثمن الأكبر. كلما احتاجت الدولة إلى الإيرادات، وجدت المواطن العادي الحلقة الأسهل، وكأن الفقير هو الخزينة التي لا تنضب.
أما التعيينات، فحدث ولا حرج. تتبدل الأسماء، وتتغير التحالفات، وتتغير الولاءات السياسية، لكن الأسلوب يبقى نفسه: من يملك النفوذ يصل، ومن لا يملكه ينتظر دوره في طابور العدالة المؤجلة.
المشكلة ليست في أن تتغير الولاءات السياسية؛ المشكلة أن تبقى الدولة رهينة الولاءات، أياً كان اسمها أو لونها أو عنوانها.
فالهيكل لا ينهار فجأة. يبدأ الانهيار عندما تهتز أعمدته واحدة تلو الأخرى: قانون لا يُطبّق بعدالة، وظيفة لا تُمنح باستحقاق، تعيين لا يقوم على الكفاءة، ضريبة لا تراعي قدرة الناس، وقانون يُفصّل أحياناً على مقاس المصلحة.
وحين يشعر المواطن أن القانون ليس واحداً للجميع، يفقد ثقته بالدولة. وحين يفقد ثقته بالدولة، يبدأ الانتماء بالتراجع، ويحل مكانه البحث عن حماية خاصة: واسطة، زعامة، حزب أو نفوذ.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر.
الدولة التي يفترض أن تحمي المواطن، تدفعه عملياً إلى البحث عن من يحميه منها.
لقد تبدلت الوجوه، وتغيرت التحالفات، وتبدلت أسماء أصحاب النفوذ، لكن المحسوبيات بقيت. وكأننا نغيّر اللاعبين ونبقي قواعد اللعبة نفسها.
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية المحاصصة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح فيما العدالة انتقائية، ولا عن شفافية فيما الفرص توزع وفق القرب لا وفق الكفاءة.
إن انهيار الهيكل لا يبدأ عندما تسقط الجدران، بل عندما تتآكل القواعد التي تحملها.
ولبنان اليوم لا يحتاج إلى تغيير أسماء المحسوبيات، بل إلى إنهاء ثقافة المحسوبية نفسها.
فالمطلوب ليس أن تتبدل الواسطة من يد إلى يد، بل أن تصبح الدولة أقوى من كل واسطة.
وإلا سنبقى أمام المشهد نفسه: محسوبيات لم تتغير… تبدلت الأسماء وبقي الأسلوب.

