بقلم رئيس التحرير: الإعلامي ميشال دمعة
2026-10-19
هناك أسئلة لا يجوز أن نؤجّلها حتى تقع الكارثة، وهناك مخاوف لا يجوز أن ندفنها تحت ركام الشعارات والتطمينات الكاذبة. ولبنان اليوم بكل ما يحيط به من أزمات وتوترات وانقسامات، يضعنا أمام سؤال بالغ الخطورة: هل دخلنا فعلاً في النفق الداخلي، وهل نسير بخطى متسارعة نحو صراع لا يعرف أحد أين ينتهي
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان ليس فقط ما يأتيه من الخارج، بل أن يتحوّل الداخل إلى ساحة تتصارع فيها المشاريع، وتُستعمل فيها الانقسامات أدوات لإشعال فتيل مواجهة قد تعيد اللبنانيين إلى مشاهد أواخر السبعينيات حين انزلقت البلاد إلى دوامة من الدم والدمار، ودفع شعبها أثماناً باهظة لا تزال آثارها محفورة في الذاكرة الوطنية.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم وبصوت عالٍ: من سيقاتل من ومن المستفيد من أخذ لبنان إلى الهاوية
هل هناك من يعتقد أن اللبنانيين قادرون على تحمّل حرب جديدة وهل بقي في هذا البلد ما يسمح له بخوض مغامرة أخرى، بعدما استُنزفت قدراته، وتآكلت مؤسساته وضاقت سبل العيش أمام أبنائه، وأصبح المواطن يبحث عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار
إن أي صراع داخلي محتمل لن يكون مجرد خلاف سياسي عابر، بل قد يتحوّل إلى كارثة وطنية إذا التقت المصالح الخارجية مع أدواتها في الداخل، ووجدت في الانقسام اللبناني أرضاً خصبة لتنفيذ أجنداتها. فالتاريخ علّمنا أن الحروب لا تبدأ دائماً بإطلاق الرصاصة الأولى، بل تبدأ أحياناً بخطاب تحريضي، أو بشائعة مسمومة، أو بتحريض طائفي، أو بحادثة يجري تضخيمها حتى تتحوّل إلى شرارة تشعل ما تحت الرماد.
ولعلّ أخطر ما في المشهد اللبناني أن الفتنة، إن كانت تُحضَّر، لن تعلن عن نفسها مسبقاً. لن تأتي ببيان رسمي يقول إن الحرب قد بدأت، بل قد تتسلّل عبر تفاصيل صغيرة، ومواقف مستفزّة، واتهامات متبادلة، واصطفافات تتغذّى من الخوف والكراهية. وعندها، قد يجد اللبناني نفسه منقاداً إلى مواجهة لا يعرف كيف بدأت، ولا لمصلحة من يخوضها.
فهل سيكون الفتيل طائفياً ربما. لكن الطائفية ليست قدراً محتوماً، بل أداة خطيرة يمكن استغلالها عندما تتراجع لغة العقل ويغيب منطق الدولة ويصبح الولاء للطائفة أو الزعيم أو المحور أقوى من الولاء للوطن.
وهنا تكمن مسؤولية القوى السياسية، من دون استثناء، في أن تدرك أن اللعب على حافة الانقسام ليس بطولة، وأن المزايدات لا تحمي طائفة، وأن الاستقواء بالخارج لا يصنع سيادة، بل قد يفتح الأبواب أمام تدخلات لا تستطيع البلاد لاحقاً إغلاقها.
أما الذين يراهنون على الخارج، ويظنون أن بإمكانهم استخدام لبنان ورقة في صراعات الآخرين فعليهم أن يتذكّروا أن الأوراق تُحرق عندما تنتهي صلاحيتها، فيما يبقى اللبنانيون وحدهم في مواجهة الخراب، ويدفع الفقراء والشباب والعائلات الثمن من أمنهم ومستقبلهم وأحلامهم.
ومن هنا، لا بد من السؤال: هل ما زال التحذير من الفتنة كافيا وهل تنفع دعوات اللبنانيين إلى عدم الانجرار وراء الصراعات، إذا كانت هناك جهات تعمل على تأجيج الانقسامات وتغذية الشكوك وتحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة بين أبناء البلد الواحد
إن التحذير وحده لا يكفي، لكنه يبقى واجباً وطنياً. المطلوب أن تتحوّل هذه التحذيرات إلى وعي شعبي يرفض التحريض، وإلى موقف سياسي يضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الضيقة وإلى مؤسسات دولة تطبّق القانون على الجميع، وتحمي المواطنين من الفوضى، وتمنع تحويل الشارع إلى ساحة لتصفية الحسابات.
فلا يجوز أن ننتظر سقوط الضحية الأولى حتى نكتشف خطورة الخطاب التحريضي ولا أن ننتظر اشتعال الشوارع حتى نتذكّر أن الجار أخو جاره وأن الدم اللبناني، مهما اختلفت الانتماءات يبقى دماً واحداً لا يجوز استباحته.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التخويف، بل إلى شجاعة في تسمية المخاطر، وإلى حكمة في إدارة الخلافات، وإلى إرادة وطنية ترفض أن يكون البلد ممراً لمشاريع الآخرين أو صندوق بريد لرسائلهم الدموية.
إن حماية لبنان ليست مسؤولية فريق دون آخر، ولا طائفة دون سواها، بل مسؤولية كل من يؤمن بأن هذا الوطن يستحق فرصة جديدة للحياة. وعلى اللبنانيين أن يدركوا أن أخطر الحروب هي تلك التي يدخلها الناس وهم يعتقدون أنهم يدافعون عن أنفسهم، ثم يكتشفون متأخرين أنهم كانوا يدفعون ثمن معارك لا تخدم إلا من أشعلها.
الخوف ليس من أن نختلف، فالاختلاف طبيعة السياسة بل من أن يتحوّل اختلافنا إلى سلاح وأن يصبح اللبناني عدواً للبناني، فيما يقف المستفيد الحقيقي بعيداً يراقب احتراق الساحة.
فهل دخل لبنان النفق الداخلي بالفعل أم ما زال أمامنا متّسع من الوقت لنمنع الكارثة
الإجابة لا يملكها السياسيون وحدهم ولا الخارج وحده. إنها تتوقف أيضاً على وعي اللبنانيين، وعلى قدرتهم على رفض الفتنة قبل أن تفرض عليهم أثمانها.
ولأن التاريخ لا يرحم الشعوب التي لا تتعلّم من مآسيها، نقولها اليوم قبل فوات الأوان لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن قتل أخيكم اللبناني دفاع عن الوطن ولا تسمحوا لأحد أن يحوّل خوفكم إلى كراهية، أو غضبكم إلى حرب.
فإذا اشتعل لبنان مرة جديدة، فلن يكون هناك منتصر حقيقي بل وطن يخسر أبناءه وشعب يدفع ثمن أجندات لم يكتبها ومستقبل يُدفن تحت ركام المصالح.
وقبل أن نسأل: من سيقاتل من لنسأل أولاً: من يريد للبنان أن يقاتل نفسه، ومن سيوقفه قبل أن يصبح السؤال عن الحرب سؤالاً عن الوطن الذي قد لا يبقى لنا ما نحميه فيه.

