الثلاثاء. أكتوبر 27th, 2026

هل ضمن الأجندة… لبنان سيدخل المحظور؟

بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة

2026-10-17

يبدو أن لبنان يسير اليوم في اتجاهٍ محفوف بالمخاطر وسط ضياعٍ واضح للبوصلة السياسية، وتضاربٍ في المصالح والحسابات، وتحوّل كل فريق إلى صاحب أجندة خاصة، يحدّد تموضعه وفقاً لمصالحه وحساباته، لا وفقاً لمصلحة الوطن ومستقبله.
في الجنوب، هناك احتلال يفرض واقعاً خطيراً على الأرض وفي الداخل تتموضع القوى السياسية على خرائط متناقضة تتنازعها الحسابات الاجتماعية والاقتصادية والسيادية، فيما يغيب السؤال الأساسي: إلى أين نذهب بلبنان ومن يحدّد وجهة هذا البلد في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

لم يعد الخلاف اللبناني مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح صراعاً على هوية الدولة ودورها ومستقبلها. فريق يراهن على الخارج وآخر ينتظر تبدّل موازين القوى، وثالث يعتقد أن اللحظة الدولية قد تمنحه فرصة لإعادة رسم النظام السياسي على قياس مصالحه. وبين هذه الرهانات، يبقى المواطن اللبناني أسير الأزمات، وتبقى الدولة عاجزة عن استعادة دورها، فيما تتقدّم الحسابات السياسية على حساب الاستقرار الوطني.

ماذا يريد الأميركي من لبنان، وإلى أين يمكن أن تقودنا الأجندات الدولية، هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة، بعيداً عن التبسيط أو إطلاق الأحكام المسبقة. فالسياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، ولا تقوم على صداقات دائمة، بل على المصالح المتبدّلة والصفقات التي قد تُبرم اليوم وتُنسف غداً. ومن الخطأ أن يعتقد أي فريق لبناني أن رهانه على قوة خارجية يمنحه ضمانة أبدية، أو أن ما يحصل عليه من دعم في مرحلة معينة سيبقى قائماً عندما تتغيّر الحسابات.
ومن هنا، تبرز المخاوف من أن يكون الحديث المتزايد عن عودة الاغتيالات السياسية والأمنية مؤشراً إلى مرحلة أشد خطورة، إذا ما تحوّلت التصفية الجسدية إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد اللبناني. فالاغتيال لا يقتل شخصاً فحسب بل يضرب الحياة السياسية، ويزرع الخوف، ويفتح أبواب الثأر والانتقام، ويعيد البلاد إلى مناخات لطالما دفع اللبنانيون أثمانها دماً ودماراً.

وفي ظل هذا المشهد يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام محاولة لإعادة تركيب التوازنات الداخلية، بما قد يؤدي إلى تقسيم المقسّم وتفتيت ما تبقّى من الدولة؟ وهل يدرك اللبنانيون أن اللعب بالنار قد يخرج عن سيطرة من أشعلها وأن نتائج الصراعات لا تبقى دائماً ضمن الحدود التي يرسمها أصحاب المصالح.

الأخطر من ذلك أن أصواتاً باتت تتحدث علناً عن الفدرالية الموسّعة، وكأنها الحل السحري لأزمات لبنان أو المخرج الذي يمكن أن ينهي صراع مكوّناته. لكن هل يمكن معالجة أزمة الثقة بالدولة عبر إعادة توزيع اللبنانيين على كيانات سياسية ومناطقية أكثر انفصالاً، وهل الفدرالية، بصرف النظر عن النقاش الدستوري والسياسي حولها، مشروع إصلاحي لبناء دولة أكثر عدالة، أم أنها قد تتحوّل في ظل الانقسام الحالي إلى مدخل لتعميق الشرخ الوطني.

إن أي نقاش حول شكل النظام السياسي يجب أن ينطلق من مصلحة اللبنانيين جميعاً، ومن ضمان المساواة والحقوق والشراكة، لا من الرغبة في تكريس الانقسامات أو تحويل الخوف المتبادل إلى مشروع سياسي دائم. فلبنان ليس مجرد مساحة جغرافية تتقاسمها القوى بل وطن لا يمكن أن يستمر من دون حدّ أدنى من التفاهم على المصير المشترك.

لقد اختبر اللبنانيون مراراً نتائج انتظار الحلول الخارجية وعرفوا كيف يمكن للتدخلات الإقليمية والدولية أن تزيد الأزمات تعقيداً عندما تتعارض مصالح الدول مع مصالح اللبنانيين. فكم من فريق اعتقد أنه يحظى بحماية دائمة، قبل أن يكتشف أن التحالفات تتبدّل وأن الأولويات الدولية لا تتوقف عند حدود لبنان ولا عند مصير شعبه.

ومن يضمن ألّا يعقد الأميركي صفقة جديدة تتغيّر معها مواقع الحلفاء والخصوم ومن يضمن ألّا تدفع المصالح الدولية لبنان إلى تسويات لا تشبه طموحات اللبنانيين ولا تحمي وحدتهم ولا تحفظ سيادتهم ومن يضمن أن لعبة المصالح الكبرى لن تضع البلاد أمام استحقاقات أشد خطورة، إذا استمر الداخل في انتظار الخارج بدلاً من إنتاج تسوية وطنية تنطلق من حاجاته الحقيقية.

إن هذه الأسئلة ليست دعوة إلى العداء مع أحد، ولا إلى رفض العلاقات الدولية، بل إلى التمييز بين الانفتاح على العالم وارتهان القرار الوطني له. فالدول تحمي مصالحها، وعلى اللبنانيين أن يتعلّموا حماية مصالحهم أيضاً، من خلال دولة قوية ومؤسسات فاعلة وقرار وطني مستقل.

أما العودة إلى الاقتتال الداخلي فهي ليست حلاً لأي أزمة، بل وصفة لانهيار جديد. فهل نسي اللبنانيون ما خلّفته الحرب من مآسٍ وتهجير ودمار وانقسامات وهل نعتقد حقاً أن ما عجزت عنه الحروب السابقة يمكن أن تحققه مواجهة جديدة، في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراجعت فيه قدرة الناس على تحمّل المزيد من الخسائر.

إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يصبح العنف أمراً طبيعياً في الحياة السياسية، وأن تتحوّل الاغتيالات والتهديدات والتخوين إلى أدوات لتحديد موازين القوى، فيما يتراجع منطق الحوار والمؤسسات والقانون. عندها، لن يكون السؤال من انتصر ومن خسر، بل ما الذي سيبقى من لبنان بعد أن يدفع اللبنانيون مجدداً ثمن صراعات لم يختاروا أولوياتها.

المطلوب اليوم ليس انتظار مبادرة خارجية جديدة، ولا التعويل على تبدّل في موازين القوى الإقليمية والدولية، بل جلوس اللبنانيين إلى طاولة واحدة، بصراحة ومسؤولية، بعيداً عن المناورات والشروط المسبقة، لوضع تصور واضح لمستقبل البلاد.

نحتاج إلى تفاهم على حماية السيادة واستعادة دور الدولة وتحصين المؤسسات الدستورية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ووقف التحريض والانقسام والاحتكام إلى القانون في مواجهة الاغتيالات والعنف، أياً تكن الجهة المستهدفة أو الجهة المتورطة، ونحتاج أيضاً إلى مصارحة وطنية تضع حدّاً لسياسة ازدواجية المعايير، فلا يكون السلاح موضع نقاش عندما يخدم طرفاً ومشكلة عندما يخدم طرفاً آخر، ولا تكون السيادة شعاراً انتقائياً يُرفع في وجه الخصوم ويُنسى أمام الحلفاء. فالدولة لا تُبنى بالانتقائية، ولا تستقيم الشراكة الوطنية إذا بقي كل فريق يطالب بحقوقه ويتجاهل حقوق الآخرين.

إن الحوار الداخلي ليس علامة ضعف بل دليل نضج سياسي والتسوية الوطنية ليست تنازلاً عن الثوابت، بل محاولة لحماية الوطن من الانهيار. أما انتظار الخارج كي يقرّر عن اللبنانيين، فهو تنازل تدريجي عن حقهم في تقرير مصيرهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن يدرك أبناؤه أن الخلاف مهما اتّسع لا يلغي حاجتهم إلى بعضهم البعض، وأن الوطن لا يُدار بمنطق الغالب والمغلوب، وإما أن يستمروا في لعبة التموضع والرهانات إلى أن يجدوا أنفسهم أمام واقع لم يعد أحد قادراً على ضبطه أو احتواء نتائجه.
فهل دخول المحظور أصبح جزءاً من الأجندة، أم أن في لبنان من لا يزال يمتلك الشجاعة لوقف الانحدار.

الوقت لم يعد يسمح بالمكابرة. فالانهيار لا يبدأ بالضرورة بصوت الرصاص، بل قد يبدأ حين يفقد السياسيون القدرة على التفاهم وحين يصبح الخارج مرجعيتهم الأولى وحين يتقدّم منطق المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية.

قبل أن ندخل المجهول، علينا أن نواجه الحقيقة: لا أحد سينقذ لبنان إذا قرّر اللبنانيون الاستمرار في هدمه بأيديهم. ولا خلاص من دون إرادة داخلية تعيد الاعتبار للدولة، وتضع مصلحة الشعب فوق مصالح الأحزاب، وتجعل الحوار بديلاً من المواجهة، والسيادة بديلاً من الارتهان، والشراكة بديلاً من التقسيم.

فهل نتعلّم من الماضي قبل أن يفرض علينا المستقبل فاتورة أكبر، أم أننا ننتظر الانهيار الأعظم حتى نكتشف أن الأوان قد فات.

Avatar photo

Byميشال دمعة

ميشال دمعة مواليد لبنان الشمال من الكورة بلدة انفة أعلامي وشاعر رئيس تحرير منصة KTV Lebanon الإعلامية