الثلاثاء. أكتوبر 27th, 2026

لماذا الشارع مضبوط

بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة

2026-09-28

في بلدٍ انهارت فيه القدرة الشرائية، وارتفعت أسعار السلع والخدمات إلى مستويات تفوق قدرة المواطن، وتحوّلت الأقساط المدرسية إلى عبءٍ ثقيل، وأصبحت الكهرباء والمولدات والمحروقات من الملفات اليومية التي تستنزف ما تبقّى من دخل العائلات، يبرز سؤالٌ أساسي: لماذا لا ينفجر الشارع؟

كل شيء تقريباً أصبح أكثر كلفة، ربطة الخبز، فاتورة الكهرباء، أقساط المدارس والجامعات، أسعار البنزين والمازوت والغاز، المواد الغذائية، الطبابة، النقل وسائر الحاجات الأساسية، فيما المداخيل لم تعد تواكب هذا الانفلات في الأسعار.

المواطن اللبناني لم يعد يعيش أزمة عابرة، بل يعيش أزمة قدرة على الاستمرار، ومع ذلك، يبقى الشارع مضبوطاً.

لا يعني ذلك أن الناس راضية، ولا يعني أن الغضب غير موجود. على العكس، الغضب يتراكم داخل المنازل، وفي أماكن العمل، وعلى أبواب المدارس، وفي محطات الوقود، وبين المواطنين الذين باتوا يحسبون كل ليرة قبل إنفاقها.

لكن السؤال هو: من يمنع هذا الغضب من التحول إلى حركة شعبية واسعة؟

هنا تدخل السياسة.

فالواقع اللبناني يتميز بوجود أحزاب وقوى سياسية تمتلك حضوراً واسعاً داخل المجتمع، وتملك شبكات اجتماعية وخدماتية وتنظيمية، إضافة إلى قدرتها على التواصل المباشر مع جمهورها. وهذه البنية السياسية والاجتماعية قد تكون، في بعض الحالات، عاملاً يساعد على امتصاص الاحتقان وتأجيل تحوله إلى انفجار في الشارع.

وبمعنى آخر، هناك منظومة سياسية اعتادت أن تكون حاضرة بين الناس، لا فقط في المؤسسات الدستورية، بل أيضاً في المناطق والبلدات والأحياء، الأمر الذي يجعل الغضب الاجتماعي موزعاً ومجزأً، بدلاً من أن يتحول إلى حالة شعبية موحدة في مواجهة السلطة.

وهنا تكمن المفارقة، الناس تعاني، والسلطة مستمرة.

المواطن يئن تحت ثقل الضرائب والرسوم والأسعار، فيما النقاش السياسي يستمر وكأن الانهيار الاقتصادي ليس أولوية وطنية.

كلما احتاجت الدولة إلى إيرادات جديدة، كان الحل الأسهل هو البحث عن ضريبة جديدة أو رسم جديد. أما السؤال الأصعب، وهو: كيف نعيد بناء الاقتصاد ونخلق فرص العمل ونرفع القدرة الشرائية ونوقف الهدر ونحاسب المسؤول عن الانهيار؟ فهذا السؤال يبدو أكثر تعقيداً وأقل حضوراً في حياة المواطن اليومية.

المشكلة ليست في الضريبة وحدها.

المشكلة أن المواطن يشعر بأن الدولة تطلب منه المزيد، بينما لا تقدم له في المقابل دولة قادرة على تأمين الحد الأدنى من حقوقه الأساسية.

يدفع للكهرباء، ويدفع للمولد.
يدفع للمدرسة، ويدفع للطبابة.
يدفع للمحروقات، ويدفع للنقل.
ويدفع الضرائب والرسوم، ثم يجد نفسه أمام خدمات عامة لا تزال عاجزة عن تلبية حاجاته.

فإلى متى يستطيع المواطن الاحتمال!!

قد يكون الشارع حتى الآن مضبوطاً، لكن ضبط الشارع لا يعني أن الأزمة انتهت. فالهدوء الاجتماعي لا يعني بالضرورة الاستقرار الحقيقي. أحياناً يكون الهدوء نتيجة التعب، واليأس، والهجرة، وانشغال المواطن بتأمين لقمة عيشه، وليس نتيجة الرضا عن الواقع السياسي.

وهنا يجب أن تنتبه الطبقة السياسية إلى حقيقة أساسية:

المواطن الذي يبحث يومياً عن كيفية تأمين الطعام والدواء والقسط المدرسي والمحروقات، لم يعد لديه الكثير ليخسره.

لذلك فإن استمرار الضغط على الناس من خلال رفع الرسوم والضرائب والأسعار، من دون معالجة جذور الأزمة، قد يؤدي إلى تراكم اجتماعي يصعب ضبطه إلى ما لا نهاية.

الأحزاب والقوى السياسية الموجودة في السلطة مطالبة اليوم بأن تنظر إلى الشارع ليس باعتباره مجرد جمهور انتخابي، بل باعتباره مجتمعاً أنهكته الأزمات.

فالسلطة ليست فقط القدرة على المحافظة على الهدوء، بل القدرة على إنتاج حلول.

وليس المطلوب أن يبقى الشارع هادئاً بأي وسيلة، بل المطلوب أن تصبح حياة المواطن نفسها أكثر استقراراً.

لأن الدولة التي تنجح في ضبط الشارع، لكنها تعجز عن ضبط الأسعار، والاقتصاد، والضرائب، والخدمات، والقدرة الشرائية، لا تكون قد عالجت الأزمة؛ تكون فقط قد أخّرت انفجارها الاجتماعي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: لماذا الشارع مضبوط؟

بل:

إلى متى يستطيع المواطن أن يبقى مضبوطاً أمام كل هذا الانهيار؟

Avatar photo

Byميشال دمعة

ميشال دمعة مواليد لبنان الشمال من الكورة بلدة انفة أعلامي وشاعر رئيس تحرير منصة KTV Lebanon الإعلامية