بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-09-21
رغيف الخبز ليس سلعة عادية في حياة اللبنانيين، وليس رقماً يُضاف إلى جدول الأسعار. إنه لقمة العيش التي يفترض أن تبقى بعيدة عن الحسابات، لأنها تمسّ مباشرةً قدرة المواطن على الصمود والاستمرار.
ارتفاع سعر ربطة الخبز خمسة آلاف ليرة قد يبدو للبعض زيادة جديدة تضاف إلى عشرات الزيادات التي اعتاد عليها اللبناني، لكنه في الحقيقة مؤشر خطير في بلد أنهك التضخم مواطنيه، وأصبح فيه تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية معركة حقيقية.
والأخطر أن أصحاب الأفران يقولون إن هذه الزيادة ليست كافية، وإن الأسعار مرشحة لارتفاعات إضافية وحادة. فإذا كان رغيف الخبز نفسه دخل دائرة الارتفاعات المتواصلة، فالسؤال الذي يفرض نفسه: إلى أين يتجه المواطن وكيف يستطيع أن يتحمل المزيد
المشكلة لم تعد في سعر ربطة الخبز وحدها. فالمواطن يواجه ارتفاعاً في أسعار الغذاء، والمحروقات، والكهرباء، والدواء، والنقل، والتعليم، وسائر متطلبات الحياة. وفي المقابل، لا ترتفع القدرة الشرائية بالسرعة نفسها، بل تتآكل يوماً بعد يوم.
وعندما تصل الأزمة إلى لقمة العيش، يصبح الأمر مختلفاً.
فالمواطن قد يصبر على كثير من الأزمات، وقد يؤجل حاجاته، ويستغني عن الكماليات، ويخفض استهلاكه، لكنه لا يستطيع أن يلغي الخبز من مائدته.
من هنا، فإن المسّ برغيف الخبز ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو إنذار اجتماعي. وعندما يشعر المواطن أن أبسط حقوقه في حياة كريمة أصبحت مهددة، وأن دخله لم يعد يكفي لتأمين الأساسيات، فإن حالة الاحتقان لا بد أن تتفاقم.
هل نحن أمام انفجار اجتماعي
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأمور، لكن المؤكد أن استمرار الضغط على الناس، وترك الأسعار ترتفع من دون معالجة فعلية للأسباب، يضع المجتمع أمام مرحلة شديدة الخطورة.
المطلوب ليس فقط الإعلان عن سعر جديد للخبز، بل السؤال عن قدرة المواطن على دفعه. فكل سياسة اقتصادية لا تأخذ القدرة الشرائية للناس في الاعتبار تبقى ناقصة، وكل معالجة لا تحمي الطبقات الأكثر ضعفاً تفتح الباب أمام مزيد من الفقر والاحتقان.
نبدأ من رغيف الخبز، لكن المسألة لا تنتهي عنده.
إنها مسألة دولة، ومسألة اقتصاد، ومسألة كرامة المواطن وقدرته على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
وفي بلد اعتاد أن يدفع المواطن فيه ثمن الأزمات المتتالية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
إلى أين نحن ذاهبون وسط انهيار كل شيء
إذا كان رغيف الخبز، الذي يفترض أن يجمع اللبنانيين حول أبسط حقوقهم، لم يوحّدنا ولم يدفعنا إلى مواجهة أسباب الأزمة ومعالجة جذورها، فعلى الدنيا السلام.
فحين يسقط رغيف الخبز من قدرة المواطن، لا يعود الخطر في سعر الرغيف وحده… بل في أن نجد أنفسنا جميعاً أمام المجهول.

