بقلم الإعلامي ميشال دمعة
2026-08-04
للمرة السادسة نعود إلى الرابع من آب.
ست سنوات مرّت على انفجار مرفأ بيروت، وما زال اللبناني يسأل السؤال نفسه: ماذا حدث
قصف؟ خطأ إهمال؟ تقصير؟ تفجير
سمّوه ما شئتم…
ففي لبنان، يبدو أن تغيير الاسم أسهل من الوصول إلى الحقيقة.
المؤكد أن بيروت انفجرت، وأن أرواحاً أُزهقت، وأن عائلات خسرت أبناءها وأن العاصمة دفعت ثمن دولة لم تكن تعرف كيف تحمي مواطنيها ثم لم تعرف كيف تحاسب من قصّر بحقهم.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
المصيبة لم تكن فقط في ذلك الانفجار الهائل، بل في ما جاء بعده.
ست سنوات من الانتظار، من المماطلة من التجاذبات، من العوائق، ومن دولة تتذكر الضحايا في المناسبات، ثم تنساهم عندما يصبح السؤال: من المسؤول
في الرابع من آب، سقط الضحايا تحت الركام.
وبعد الرابع من آب سقطت الحقيقة تحت ركام السياسة.
وهذه المرة لا يمكن أن نكتفي بالبكاء.
لا يمكن أن نضع صور الضحايا كل عام، ونقرأ الكلمات نفسها ونشعل الشموع، ثم نعود إلى بيوتنا وكأن العدالة تفصيل يمكن تأجيله.
أي دولة هذه التي تستطيع أن تحفظ أسماء الضحايا، لكنها عاجزة عن كشف الحقيقة
أي دولة هذه التي تتذكر الجنازات لكنها لا تستطيع أن تقدم لأهل الضحايا جواباً
وأي مسؤول يستطيع أن يقف أمام الناس ويتحدث عن الدولة والقانون والمؤسسات بينما ملف بهذه الخطورة لا يزال ينتظر العدالة
لقد تعب اللبناني من البيانات.
تعب من الاستنكار.
تعب من العبارات الكبيرة التي تنتهي عند حدود الورق
نريد حقيقة، لا خطاباً.
نريد عدالة، لا مراسم.
نريد قضاءً يستطيع أن يعمل بعيداً عن الحسابات السياسية، لا قضاءً يصبح ملفه رهينة الصراع بين القوى المتنفذة.
المشكلة في لبنان لم تعد فقط أن الحقيقة لم تصل.
المشكلة أن هناك منظومة سياسية اعتادت أن تتعامل مع كل كارثة بمنطق الوقت.
اتركوا الناس تنسى.
دعوا الغضب يهدأ.
دعوا السنوات تمر.
فربما تتحول الجريمة إلى ذكرى، والذكرى إلى مناسبة، والمناسبة إلى صورة، والصورة إلى أرشيف.
لكنهم أخطأوا.
هناك دم لا يتحول إلى أرشيف.
وهناك أمهات لا تنسى.
وهناك آباء لا يستطيعون أن يقولوا لأبنائهم: ناموا بسلام، لأننا عرفنا لماذا رحلتم.
في الرابع من آب لا نبحث عن الانتقام.
نبحث عن العدالة.
لا نريد أن نحاكم أحداً في الشارع، بل نريد أن يحاكم القضاء من تثبت مسؤوليته.
لا نريد روايات سياسية، بل حقيقة موثقة.
لا نريد ضحية جديدة اسمها “الحقيقة المؤجلة”.
ست سنوات ليست زمناً قصيراً.
ست سنوات تكفي لبناء مدن، وإجراء انتخابات، وتغيير حكومات، وسن قوانين، وتبديل تحالفات.
لكنها، في لبنان، لم تكن كافية ربما للوصول إلى جواب واضح عن أكبر كارثة ضربت العاصمة.
وهنا السؤال الذي يجب أن يلاحق كل مسؤول:
كم سنة أخرى تريدون من اللبناني أن ينتظر
كم جنازة يجب أن تمر قبل أن تصبح العدالة أولوية
كم أماً يجب أن تبقى أمام صورة ابنها
وكم مرة يجب أن نقول لن ننسى قبل أن نسأل: ومن سيحاسب
للمرة السادسة نتذكر دون حساب…
لكن لا يعني ذلك أننا نسينا الحساب.
الحساب ليس انتقاماً.
الحساب هو دولة.
الحساب هو قضاء.
الحساب هو أن يعرف اللبناني أن حياته ليست رخيصة، وأن دماء أبنائه ليست مادة للمزايدات السياسية.
أما أن نبقى كل عام أمام المرفأ، نعدّ أسماء الضحايا ونضع الورود، ونرفع الصوت ثم نعود إلى صمت المؤسسات، فهذا ليس إحياءً للذكرى.
هذا اعتراف بالعجز.
ولذلك، في الذكرى السادسة، لا نريد خطباً جديدة.
لا نريد دموعاً رسمية.
لا نريد وعوداً إضافية.
نريد الحقيقة.
فإن كان الرابع من آب قد هزّ بيروت في لحظة، فإن ست سنوات من الصمت هزّت ثقة اللبناني بدولته.
والدولة التي لا تستطيع أن تكشف حقيقة موت أبنائها لا يحق لها أن تطلب من أبنائها أن يثقوا بها.
للمرة السادسة نتذكر… دون حساب.
لكن يوماً ما، لا بد أن يأتي الحساب.
حساب الحقيقة، وحساب العدالة، وحساب كل من قصّر أو أهمل أو عرقل أو حاول دفن الحقيقة مع الضحايا.
لأن أشلاء الحقيقة لا تزال تحت الركام…
ولأن الحقيقة، مهما طال دفنها، لا تموت.

