السبت. سبتمبر 12th, 2026

التاجر الفاجر إلا من رحم ربي

بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة

2026-08-06

في زمن الأزمات الاقتصادية، حين تضيق سبل العيش وتثقل كاهل المواطن الأسعار والضرائب وتراجع القدرة الشرائية، يفترض أن تتجلى معاني التكافل والرحمة والمسؤولية الاجتماعية. لكن الواقع يكشف أحيانًا عن وجه آخر؛ وجهًا يستغل فيه البعض حاجة الناس وضعفهم فيحوّل الأزمة من مأساة عامة إلى فرصة لمراكمة الأرباح.

التاجر الفاجر إلا من رحم ربي ليس عنوانًا للتعميم أو إدانة قطاع بأكمله، فهناك تجار شرفاء يراعون ظروف الناس ويكتفون بهامش ربح معقول لكن المشكلة تكمن في أولئك الذين يجعلون من حاجة المواطن وسيلة للثراء، ومن الفوضى الاقتصادية غطاءً لرفع الأسعار بلا مبرر.

حين تصبح الأزمة سوقًا مفتوحة للربح

في الأزمات، يصبح المواطن أكثر هشاشة. راتبه لا يواكب ارتفاع الأسعار، ومدخراته تتآكل، وحاجاته الأساسية لا يمكنه الاستغناء عنها. وهنا تظهر خطورة التاجر الذي يدرك أن المستهلك مضطر للشراء مهما ارتفع السعر.

فتجد أسعار السلع ترتفع بسرعة، وأحيانًا بلا تفسير واضح، وكأن كل تاجر يضع السعر الذي يراه مناسبًا لجيبه، لا السعر الذي تفرضه كلفة السلعة أو ظروف السوق.

والأشد إيلامًا أن بعض التجار لا يكتفون بارتفاع الأسعار، بل يستغلون الخوف من فقدان السلع، فيرفعونها أكثر، أو يحتكرون بعض المنتجات، أو يخزنونها انتظارًا لارتفاع جديد، بينما المواطن يقف عاجزًا أمام رفوف المحال، يسأل عن سعر سلعة كان يستطيع شراءها بالأمس، فإذا بها اليوم خارج قدرته.

لا رقيب ولا حسيب

المشكلة ليست في وجود تاجر جشع فحسب، بل في غياب الرقابة الفعالة التي تمنع الجشع من التحول إلى سلوك عام.

عندما يشعر المخالف أن لا جهة ستسأله عن مصدر السعر، ولا أحد سيتحقق من هامش الربح، ولا عقوبة حقيقية تنتظره يصبح القانون بالنسبة إليه مجرد نص على الورق.

وفي مثل هذه البيئة يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة بسبب الأزمة الاقتصادية نفسها، ومرة بسبب استغلالها.

فالأسعار لا ترتفع فقط نتيجة الظروف الاقتصادية، بل قد تضاف إليها أرباح مبالغ فيها، وتلاعب بالأسواق، وفوضى في التسعير، فيتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في سلسلة لا يملك أدوات مواجهتها.

جيوب تنتفخ… وموائد تنكمش

بينما تتسع بعض الجيوب بفعل المضاربات والاستغلال، تضيق حياة المواطن العادي أكثر فأكثر.

أسرة كانت تشتري حاجاتها الأساسية كاملة، أصبحت مضطرة إلى الاستغناء عن بعضها. ووالد كان يستطيع تأمين احتياجات أبنائه، أصبح يحسب ثمن كل سلعة قبل أن يضعها في سلة المشتريات.

وهنا لا يعود الحديث عن “السعر” مجرد أرقام في فاتورة؛ بل يصبح حديثًا عن كرامة الإنسان وقدرته على تأمين احتياجات أسرته الأساسية.

إن التجارة في أصلها مهنة مشروعة وشريفة، والربح حق للتاجر، لكن الربح شيء، واستغلال حاجة الناس شيء آخر. فليس من العدل أن يتحول اضطرار المواطن إلى فرصة لزيادة الأرباح بلا حدود.

أين حماية المستهلك

في أي سوق سليمة يحتاج المواطن إلى جهة تحميه من الاحتكار والغش والتلاعب، وتراقب الأسعار وفق القوانين والأنظمة المعمول بها.

الرقابة ليست عدوًا للتاجر الشريف، بل على العكس؛ إنها تحميه أيضًا من المنافسة غير العادلة. فالتاجر الذي يلتزم بالقانون ويضع هامش ربح منطقيًا لا ينبغي أن يجد نفسه في مواجهة تاجر آخر يرفع الأسعار أو يحتكر السلع دون رادع.

المطلوب ليس خنق التجارة ولا منع الربح، وإنما إقامة سوق عادلة يعرف فيها التاجر حقوقه وواجباته، ويعرف فيها المواطن أن هناك من يحميه عندما يتعرض للاستغلال.

إلا من رحم ربي

ومع كل ذلك، يبقى من الإنصاف القول إن ليس كل التجار سواء.

هناك من يرفض استغلال الأزمة، وهناك من يحافظ على أسعار مقبولة رغم ارتفاع كلفة الاستيراد والنقل والتشغيل، وهناك من يرى في التجارة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مصدرًا للربح.

هؤلاء يستحقون الاحترام والتقدير، لأن التاجر الشريف لا يقيس نجاحه فقط بحجم ما يضعه في جيبه، بل أيضًا بعدد الناس الذين يستطيع أن يخدمهم دون أن يظلمهم.

المواطن ليس فريسة

المواطن الذي يشتري قوت يومه ليس فريسة مفتوحة للربح. وحاجته ليست تصريحًا مفتوحًا لرفع الأسعار. والأزمة الاقتصادية ليست مبررًا لإلغاء الضمير.

المطلوب اليوم رقابة حقيقية، وشفافية في التسعير، ومحاسبة للمخالفين، وتشجيع للتاجر الشريف، وحماية للمستهلك لأن ترك السوق بلا ضوابط يعني ببساطة أن الأقوى اقتصاديًا سيواصل الضغط على الأضعف.

وفي النهاية، قد يستطيع بعض التجار أن يضاعفوا أرباحهم في زمن الأزمات، لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أحد هو: كم من هذه الأرباح بُني على تعب الناس وحاجتهم

فالتجارة ليست مجرد أرقام وأرباح وصفقات؛ إنها أيضًا أخلاق وضمير ومسؤولية.

وفي زمن الشدة، يظهر معدن الإنسان… كما يظهر معدن التاجر.

Avatar photo

Byميشال دمعة

ميشال دمعة مواليد لبنان الشمال من الكورة بلدة انفة أعلامي وشاعر رئيس تحرير منصة KTV Lebanon الإعلامية