2026-07-05
بقلم رئيس التحرير : ميشال دمعة
ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش في وطن يحلم به أكثر مما يعيشه. فبين الواقع والأمنيات يقف شعب بأكمله يبحث عن وطن حقيقي، وطن لا تتبدل هويته بتبدل المصالح ولا تتغير بوصلته مع تغير موازين القوى.
لقد ورثنا وطنًا تعددت فيه الولاءات، فتارة تتجه الأنظار شرقًا، وتارة غربًا وكأن الانتماء أصبح خيارًا يُستحضر عند الحاجة ويُطوى عند انتفائها. أما السيادة، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى شعار يتردد في الخطابات، يجذب الجماهير ويستنهض المشاعر، فيما يبقى الواقع مختلفًا، وتبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا مما يقال على المنابر.
وبين السيادة كشعار والسيادة كممارسة، ضاع الوطن بين ماضٍ لم نتعلم من أخطائه، وحاضرٍ لا يزال يدور في الحلقة نفسها. فأصبح اللبناني أسير الانقسامات، يتوارث الخصومات كما يتوارث الأسماء، وينقل إلى أبنائه روايات الكراهية أكثر مما ينقل إليهم قيم المواطنة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نربي أجيالنا على الغرائز الفردية والأنانية، ونبقيها أسيرة الزعيم والحزب والطائفة، فتردد الشعارات التي تخدم مصالح السياسيين أكثر مما تخدم الوطن أم نملك الشجاعة لنقف أمام الله وأمام ضميرنا وأمام وطننا، ونعترف بأننا جميعًا، بدرجات متفاوتة، أسأنا إلى أنفسنا قبل أن نسيء إلى وطننا
إن الاعتراف بالأخطاء ليس هزيمة، بل هو بداية الإصلاح. أما الاستمرار في تقديس الموروث السياسي والطائفي، فلن ينتج إلا مزيدًا من الانقسام، وسيبقي الوطن رهينة الحسابات الضيقة.
ربما لم ننجح نحن في بناء الدولة التي حلمنا بها، لكن ما زالت أمامنا فرصة لصناعة مستقبل مختلف. فواجبنا اليوم أن نخلع هذا الإرث الثقيل من التعصب والولاءات الضيقة، وأن نزرع في نفوس الأجيال القادمة قيم المواطنة والعدالة والمسؤولية، ليكون انتماؤها الأول والأخير إلى لبنان.
قد لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا قادرون على صناعة مستقبل أفضل إذا امتلكنا إرادة التغيير. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحفظ بالولاءات المتعددة، بل تُبنى بمواطن يؤمن أن كرامته من كرامة وطنه، وأن مصلحة الوطن تعلو على كل مصلحة أخرى.
وبين الواقع والأمنيات، يبقى الأمل قائمًا بأن يأتي يوم يجد فيه هذا الشعب وطنًا حقيقيًا، لا يبحث فيه عن وطن بديل، ولا عن ولاء بديل، بل يعيش فيه بحرية وكرامة وسيادة وعدالة تحت راية دولة واحدة تجمع جميع أبنائها.

