بقلم رئيس التحرير : ميشال دمعة
كان المشهد مستفزًا أكثر مما كان مفاجئًا. طلاب يرقصون ويهللون ويطلقون صيحات الفرح فور سماع خبر إلغاء الامتحانات الرسمية واستبدالها بإفادات نجاح. قد نتفهم مشاعر الفرح لدى من عاشوا ظروفًا أمنية قاسية، أو اضطروا إلى النزوح، أو فقدوا القدرة على متابعة الدراسة بصورة طبيعية. فهناك مناطق دفعت أثمانًا باهظة بسبب الحرب والاضطرابات، وأهلها يعيشون أوضاعًا إنسانية صعبة تستوجب مراعاة استثنائية.
لكن ما يصعب فهمه هو مشهد الاحتفال الجماعي في مناطق لم تشهد الظروف نفسها بالحدة ذاتها، من الشمال إلى بيروت وجبل لبنان وعكار. لماذا يتحول إلغاء الامتحان إلى مناسبة للفرح؟ ولماذا يبدو التخلص من استحقاق علمي وكأنه انتصار؟
المشكلة ليست في القرار بحد ذاته، فالقرارات الاستثنائية قد تفرضها الظروف الاستثنائية. المشكلة في الرسالة التي يحملها المشهد. فعندما يصبح الامتحان عبئًا يجب الهروب منه، لا فرصة لإثبات الجهد والتحصيل، نكون أمام أزمة أعمق من مجرد إلغاء شهادة أو منح إفادة.
المدرسة ليست أوراقًا وأختامًا وشهادات فقط، بل هي مسار لبناء المعرفة والانضباط وتحمل المسؤولية. والامتحان، مهما كانت ملاحظاتنا عليه، يبقى محطة لتقييم ما اكتسبه الطالب من علم ومهارات. لذلك فإن الاحتفال بإلغائه يطرح سؤالًا مؤلمًا: هل أصبحت المعرفة نفسها عبئًا؟ وهل سقطت قيمة الاجتهاد مع سقوط الاستحقاقات؟
إن التعاطف مع الطلاب المتضررين واجب، ومراعاة المناطق المنكوبة ضرورة وطنية، لكن تحويل الاستثناء إلى ثقافة فرح جماعي يثير القلق على مستقبل التعليم. فالأمم لا تبنى بالإفادات، بل بالعلم. ولا تتقدم بالتنازل عن معايير المعرفة، بل بالتمسك بها رغم الصعوبات.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع: إذا كان الطلاب يفرحون بإلغاء الامتحان أكثر من فرحهم بالنجاح فيه، فأين أصبح موقع العلم في سلم أولوياتنا؟ وهل سقطت المعرفة مع الساقطين، أم أننا ما زلنا قادرين على استعادتها قبل فوات الأوان؟

