بقلم رئيس التحرير: ميشال دمعة
2026-07-17
في الوقت الذي ينتظر فيه اللبنانيون من مجلس النواب أن يكون مساحةً لإنتاج القوانين ومعالجة الأزمات المتراكمة، تحولت جلسات التشريع إلى ساحة استعراض سياسي، حيث بدا وكأن المعركة لم تعد حول مضمون القوانين، بل حول من يرفع صوته أكثر، ومن يسجل النقاط الإعلامية على حساب المصلحة العامة.
المشهد الذي تابعه اللبنانيون لم يكن يليق بمؤسسة يفترض أنها تمثل أعلى سلطة تشريعية في البلاد. فقد انحدر مستوى التخاطب في بعض اللحظات إلى ما لا ينسجم مع بلد يدّعي احترام الديمقراطية وحرية التعبير، فأصبحت لغة المواجهة الشخصية تتقدم على لغة الحوار، وتراجعت هيبة المجلس أمام مشاهد السجال والانقسام.
وبين بنود الاقتراحات المطروحة والمستوى الخطابي لبعض النواب، بدت الديمقراطية وكأنها في مهب المصالح الضيقة. فبدلاً من أن يكون النقاش قائماً على التشريع الرصين، طغت الحسابات السياسية والطائفية، وتحولت الجلسات إلى منصة لتسجيل الانتصارات الإعلامية أو لإرضاء القواعد الشعبية، بعيداً عن جوهر العمل النيابي.
ويبدو أننا ما زلنا بحاجة إلى سنوات طويلة حتى نحظى بمجلس نواب يعكس فعلاً طموحات اللبنانيين، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فـ”ضاعت الطاسة”، كما يقال بالعامية، بين من يريد خطف الأضواء، ومن يتلطى خلف طائفته لتسجيل المواقف، حتى أصبح الانتماء للطائفة يتقدم على الانتماء للدولة.
نحن أمام واقع سياسي ما زالت تتحكم به الدولة الطائفية العميقة، حيث يتجلى الانقسام في كل استحقاق، وحتى داخل المؤسسة التي يفترض أنها تمثل جميع اللبنانيين. وكل فريق يتباهى بإرضاء جماعته، ولو كان الثمن تعطيل المنطق، وإفراغ التشريع من مضمونه الحقيقي، وتحويله إلى مباراة لتبادل الاتهامات وتسجيل النقاط.
ويبقى السؤال الأهم: من هو الخاسر الأول في كل ما يحصل
الخاسر ليس نائباً ولا كتلةً سياسية، بل لبنان أولاً، والمواطن اللبناني الذي ينتظر قوانين تعالج انهيار الاقتصاد، وتحمي حقوقه، وتؤسس لدولة عادلة. أما عندما يصبح التشريع رهينة العضلات السياسية، فإن الثقة بالمؤسسات تتآكل، ويبتعد اللبنانيون أكثر فأكثر عن حلم الدولة التي تحكمها القوانين لا المصالح، والدستور لا العصبيات، والمنطق لا الانفعالات.

